الشيخ محمد رشيد رضا
109
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تماثيل بقر من نحاس ، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر فذاك كان أول شأن العجل لتكون للّه عليهم حجة فينقم منهم بعد ذلك ( أقول ) ولم يكن ابن جريج يعلم أن قدماء المصريين كانوا يعبدون عجلا اسمه ( أبيس ) وكان بنو إسرائيل يعبدونه معهم كغيره من معبوداتهم ، ويرون تماثيله منصوبة في معابدهم ، وان السامري لم يصنع لهم العجل بعد ذلك الا لما كان من إلفهم لعبادته ، وتأثر اعصابهم بما ورثوا من مظاهر روعته ، ولذلك قال تعالى فيهم ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ) والمراد عجل السامري وقد علل اشرابهم إياه في قلوبهم بما كان من كفرهم السابق أي بالوراثة المتغلغلة في النفس بطول الزمان وتعاقب الأجيال ، فذلك الذي يطول تأثيره في الاعقاب والانسال ؛ ألم تر إلى ما استحدثه بعض المبتدعة في الاسلام وقلدهم فيه بعض الملوك من المنسوبين إلى السنة : من تشييد القبور ، وتزيينها بالعمائم والستور ، وبناء القباب فوقها ، واتخاذها مساجد يصلى إليها أو لديها ، وايقاد السرج والشموع عليها ، انه قد جعل لها مكانة دينية كبيرة في قلوب عامة المسلمين ، حتى صارت عندهم من شعائر الدين ، بحيث يعدون من روى لهم الأحاديث الصحيحة في لعن اللّه ورسوله لمن يفعل ذلك مبتدعا فيه أو مارقا منه ، وينبزونه في بعض البلاد بلقب « وهابي » إذ كانت طائفة من الحنابلة في بلاد العرب سميت الوهابية قد عمدوا إلى إزالة هذه المنكرات بأيديهم ، لما لم يؤثر في ازالتها انكار علماء السنة المصلحين لها بألسنتهم وأقلامهم ، عملا بقوله ( ص ) « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الايمان » يعني الانكار بالقلب وحده ، ولو مع العجز عما فوقه . والحديث رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه إذا علمنا هذا الشأن من شؤون الضعف البشري فلا نعجب أن روي عن بعض حديثي العهد من الصحابة بالاسلام ، مثل ما طلب بنو إسرائيل من موسى عليه السّلام ، بما كان من تأثير مظاهر الوثنية في قلوبهم : روى احمد والنسائي وأكثر مصنفي التفسير المأثور عن أبي واقد الليثي قال خرجنا مع رسول اللّه ( ص ) قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت يا رسول اللّه اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط ، فقال « اللّه أكبر ، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى ( اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) انكم تركبون سنن من قبلكم » وروى نحوه ابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني